فخر الدين الرازي

146

تفسير الرازي

عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : الضمير في قوله من شيعته إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : وهو الأظهر أنه عائد إلى نوح عليه السلام أي من شيعة نوح أي من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه لإبراهيم ، قالوا : وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح ، وروى صاحب " الكشاف " أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة الثاني : قال الكلبي المراد من شيعة محمد لإبراهيم بمعنى أنه كان على دينه ومنهاجه فهو من شيعته وإن كان سابقاً له والأول أظهر ، لأنه تقدم ذكر نوح عليه السلام ، ولم يتقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فعود الضمير إلى نوح أولى . المسألة الثانية : العامل في * ( إذ ) * ما دل عليه قوله : * ( وإن من شيعته ) * من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم . أما قوله : * ( إذ جاء ربه بقلب سليم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : * ( بقلب سليم ) * قولان : الأول : قال مقاتل والكلبي يعني خالص من الشرك ، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله والثاني : قال الأصوليون المراد أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل دنس من المعاصي ، فيدخل فيه كونه سليماً عن الشرك وعن الشك وعن الغل والغش والحقد والحسد . عن ابن عباس أنه كان يحب للناس ما يحب لنفسه ، وسلم جميع الناس من غشه وظلمه وأسلمه الله تعالى فلم يعدل به أحداً ، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بأنه تعالى ذكر بعد هذه الكلمة إنكاره على قومه الشرك بالله ، وهو قوله : * ( إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ) * واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأن اللفظ مطلق فلا يقيد بصقة دون صفة ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : * ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) * ( الأنبياء : 51 ) مع أنه تعالى قال : * ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) * ( الأنعام : 124 ) وقال : * ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) * ( الأنعام : 75 ) فإن قيل ما معنى المجئ بقلبه ربه ؟ قلنا معناه أنه أخلص لله قلبه ، فكأنه أتحف حضرة الله بذلك القلب ، ورأيت في التوراة أن الله قال لموسى أجب إلهك بكل قلبك . واعلم أنه تعالى لما ذكر أن إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ذكر أن من جملة آثار تلك السلامة أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد فقال : * ( إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ) * والمقصود من هذا الكلام تهجين تلك الطريقة وتقبيحها .